مع اقتراب عام 2030 هل التعلم الذاتي هو الحل؟

شارك الموضوع مع اصدقائك


حمل تطبيق المدرسة التونسية






مع بداية القرن الحادي والعشرين، برزت الحاجة إلى اعتماد استراتيجيات تعليمية جديدة، تتزامن مع التطور الثوري للمعلومات والاتصالات، وتمنح استقلالية الحصول على المعلومات بقدر أكبر. ويعتبر تطوير أساليب التدريس ضمن هذه الاستراتيجيات، وعليه فقد ظهر مفهوما التعليم المباشر، والتعليم المستقل كمثال على استراتيجيات التعليم الحديثة (أمجد، 2017)، وبدأ الباحثون والتربويون في تقديم المقترحات والرسائل والأطروحات، التي ناقشت استراتيجية التعليم المستقل بالمقارنة مع الاستراتيجيات الأخرى، للوصول إلى النتائج المرجوّة من استخدامها على تحصيل الطلبة، ورفع مستواهم العلمي والعملي، ومنح مساحة أكبر من حرية الحصول على المعلومات (عليان، 2016). ولذلك كان لابد من الاهتمام بالتعلم الذاتي لدى الطلبة، والبحث عن الطرق والاستراتيجيات التي تنمي اتجاهاتهم نحو التعلم ذاتياً بدون وجود معلم يلقنهم المعلومة.

مع اقتراب عام 2030 وانتشار تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة بشكل متسارع، يتوقع الكثير من الخبراء حدوث تغييرات جذرية في الكثير من جوانب الحياة، حيث سيشهد عام 2030 تغييرات جذرية في الكثير من المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية (الإيداء، 2015؛ الكاملي، 2017). إلا أن أكبر تحدٍ نواجهه الآن كمجتمعات متشبثة باستراتيجيات تعليمية تقليدية هو تراجع عام في الأنظمة التعليمية العربية ومؤسساتها لأنها لا تمكّن الطلبة من اكتساب مهارات التعلم الذاتي والمستقل ومهارات العمل، والتفكير الإبداعي، والنقدي والمرونة في مفاهيم العمل وبالتالي سيكون من الصعب على المؤسسات المستقبلية العثور على خريجين، ومواهب ملائمة للعمل في سوق المستقبل.






لقد جاء من ضمن توصيات المؤتمر العلمي الأكاديمي الدولي التاسع الذي أقيم في إسطنبول، ضرورة إتاحة الفرص للمتعلمين للتعلم الذاتي والتشجيع عليه من خلال تطبيق التقنيات الحديثة والحاسب الآلي واستخدام الإنترنت والدخول للمواقع الموثوقة، وذلك من أجل استكشاف المعارف والوصول للمعلومات بأنفسهم، وأكدت على ذلك دراسة الزبيدي(2013) والتي توصلت إلى أثر استخدام التقانة الحديثة في تنمية الاتجاه نحو التعلم الذاتي.

ومن المقولات الشهيرة لعالم الفيزياء البرت اينشتاين عبارة: “التعليم هو ليس تعلم الحقائق انما هو تدريب العقل على التفكير “. وأكد ذلك العالم الكيميائي والروائي الروسي إسحاق غظيموف عندما قال:” أؤمن بكل ثقة أن التعليم الذاتي هو التعليم المثمر الوحيد على وجه الأرض”، ويعد التعلم الذاتي أحد الأساليب التربوية التي دعت إليها متطلبات العصر.

وتشير نتائج عدد من الدراسات إلى أهمية التعلم الذاتي، ودعت المناهج المختلفة إلى تأصيله لدى النشء بمجرد دخولهم المدرسة، كونها الوسيلة إلى التعلم المستمر الذي يلازم الإنسان طيلة حياته، وبوصفه أيضاً عاملا يؤثر على استقلال الشخصية، و يحفز الاعتماد على الذات، والقدرة على اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية. إن بزوغ اتجاه يتبنى أساليب التعلم الذاتي، كان نتيجة ظهور عدد من المشكلات التربوية والضغوط الاجتماعية، والتي يتوقع الكثير من المربين والخبراء أن يكون التعلم الذاتي حلا وحيدا لها أو المخفف الأمثل لحدتها. فقد فرض التعلم الذاتي نفسه اليوم كنظام تعليمي يمتلك القدرة على استيعاب متغيرات العصر، وباتت الحاجة ملحة إلى هذا التعلم في العصر الحديث نظراً للانفجار المعرفي والتكنولوجي والسكاني، والذي يفرض الكثير من الأعباء سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. بالإضافة إلى الجهود المبذولة للتأكيد على التعليم بدلاً من التدريس والتركيز على اكتساب الطالب للمعرفة من خلال التعلم وكيفية التعلم، أي أن يكون جميع الطلبة لديهم نفس القدرة على التعلم وتطوير أنفسهم، ويأتي ذلك من أن سوق العمل يتطلب خريجين لديهم سمات شخصية تتصف بالقدرة على التفكير النقدي والإبداعي وحل المشكلات ولا يكون ذلك إلا من خلال إقبالهم على التعلم الذاتي وتنمية مهاراتهم.

ولقد أشارت ويدني بريسنيتز  وهي كاتبة متخصصة في مجال التعليم إلى ان مجتمعنا القائم على المعلومات والذي يسير كل شيء فيه بشكل سريع، يحتاج بشدة لهؤلاء الذين يعرفون كيف يحصلون على المعلومة لا كيف يتذكرونها، وهؤلاء الذين يستطيعون التكيّف مع المتغيرات بطريقة أكثر ذكاء. وهما الشيئان اللذان لا نتعلمهما في المدرسة.  كما ذكر أحد المفكرين وهو جورج سانتيانا جملته الشهيره :” الطفل الذي اقتصر تعليمه على المدرسة هو طفل لم يتعلم بعد”، وأذكر إحدى المقولات لغاليليو قوله:” لا يمكنك تعليم الرجل كل شيء، يمكنك أن تساعده على العثور عليه بداخله”. وذكر لويس لامور وهو كاتب وقاص أمريكي في إحدى كتاباته :” في الواقع أن عملية التعليم هي تعليم ذاتي، المعلم مجرد مرشد يشير لك إلى الطريق ولا توجد أي مدرسة مهما بلغت كفاءتها قادرة على إعطائك تعليما حقيقيا، ما تتلقاه في المدرس أشبه بحدود رسومات في  كتاب تلوين للأطفال وعليك ان تلون الفراغات بنفسك”.

وعلى الرغم من أن جذور التعلم الذاتي قديمة قدم التاريخ، حيث أشار أفلاطون إلى خطوات التعلم الذاتي كما ورد في كتابه (البطل) (الأمير، 2016)، إلا أن البداية الفعلية للتعلم الذاتي كانت في أوروبا وذلك على يد الطبيبة الإيطالية” ماريا مونتيسوري” التي طورت في أوائل القرن ال 20 الميلادي أسلوباً جديداً في التعليم، يشجع الطفل على التعلم بنفسه ويكون فيه الطفل هو المعلم والمتعلم في آن واحد (التلواتي، 2015). ويعرف التعلم الذاتي على أنه ” نشاط تعليمي تعلمي يقوم به المتعلم ذاتيًا من خلال اعتماده على نفسه في اكتساب المعلومة وكيفية معالجتها، مما يزيد من ثقته بقدراته في عمليه التعلم، ويعزز لديه استقلال شخصيته واعتماده على ذاته والقدرة على اتخاذ القرار، والقدرة على تحمل المسؤولية” (Mahfouz & El-Akad, 2015: 3).

 

Related posts

Leave a Comment